الشيخ محمد هادي معرفة
227
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
فقد وجّهوا إلى الشيعة تُهَما كثيرة إفكا وزورا هم منها براء ، منها : نسبة مصحف خاصّ إليهم أطلقوا عليه اسم « المصحف الشيعي » . « 1 » في حين أنّ الشيعة أنفسهم لم يسمعوا بهكذا مصحف في جميع أدوار تأريخهم المجيد . وقد واجه هذه النسبة بالإنكار الشديد ، جماعة من الباحثين المتأخّرين « 2 » ومن أهمّهم جولد تسيهر الذي عالج علاقة الشيعة الخاصّة بالنّص القرآني الرسمي الموجود بأيدينا . « 3 » واستيضاحا لهذا الجانب ( مدى صلة الشيعة بالنصّ الموجود ) نعرض ما يلي : نحن إذ عرضنا تأريخ القرآن المجيد ، والأدوار التي مرّت عليه جيلا بعد جيل وجدنا أنّ هذا النصّ الموجود بهذا الوضع الراهن ، هو صنيع جهود الشيعة بالذات ، وهم الذين سهروا على حفظه وضبطه وإتقانه ، وعملوا في تحسينه وتشكيله وتطويره من جميل إلى أجمل في عمل مستمرّ ، فالحقيقة - إن كان هناك مصحف شيعيّ - تقضي بأن يطلق هذا الاسم على المصحف الموجود ، نسبة إلى أئمّة الشيعة وقرّائهم وحفّاظهم وفنّانيهم عبر التأريخ ، وإليك بإيجاز : كان عليّ أمير المؤمنين عليه السلام أوّل من أبدى فكرة جمع القرآن بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه وآله مباشرة . وإن كان جمعه هو رُفض ، لكن فكرة الجمع أثّرت أثرها في نفس الوقت . ولم يكن الاختلاف بين الجمعين في نصّ القرآن . وكانت المصاحف الرئيسيّة التي جمع فيها القرآن كلّه على ذلك العهد - قبل توحيدها - هي ما جمعه عبداللّه بن مسعود وأُبيّ بن كعب وأبو الدرداء والمقداد بن الأسود . ممّن عُرفوا بالولاء الخاصّ للبيت النبويّ الرفيع ولم يكن سائر المصاحف بذلك الاعتبار . وكانت صحف أبي بكر غير منتظمة بين دفّتين .
--> ( 1 ) - راجع : الدكتور عبداللّه خورشيد في كتابه « القرآن وعلومه في مصر » ، ص 81 فإنّه عالج ما بين الشيعة وهذه النسبة من صلة ، وفنّدها على أساس تأريخي . ( 2 ) - راجع : تأريخ آداب العرب لمصطفى صادق الرافعي ، ج 2 ، ص 15 - 16 ؛ ومقدّمة حياة محمد لموير : ص 35 - 36 ؛ وتأريخ المساجد الأثريّة لحسن عبد الوهاب ، ص 92 ؛ وهامش فضائل القرآن لابن كثير بقلم رشيد رضا ، ص 48 ، رقم 2 و 3 ؛ والقرآن وعلومه في مصر ، ص 81 . ( 3 ) - راجع : مذاهب التفسير لجولد تسيهر ، ص 293 .